أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
179
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « وهذا الذي ذكره من أن « أصبح » للاستمرار ، وعلّله بما ذكره لم أر أحدا من النحويين ذهب إليه ، إنما ذكروا أنها تستعمل بالوجهين اللذين ذكرناهما » قلت : وهذا الذي ذكره ابن عطية معنى حسن ، وإذ لم ينصّ عليه النحويون لا يدفع ، لأنّ النحاة غالبا إنما يتحدثون بما يتعلّق بالألفاظ ، وأمّا المعاني المفهومة من فحوى الكلام فلا حاجة لهم بالكلام عليها غالبا . والإخوان : جمع أخ ، وإخوة اسم جمع عند سيبويه « 2 » وعند غيره هي جمع . وقال بعضهم : « إنّ الأخ في النسب يجمع على « إخوة » ، وفي الدّين على « إخوان » ، هذا أغلب استعمالهم ، قال تعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » « 3 » ، ونفس هذه الآية تؤيد ما قاله لأن المراد هنا ليس إخوة النسب إنما المراد إخوة الدين والصداقة ، قال أبو حاتم : « ثم قال أهل البصرة : الإخوة في النسب والإخوان في الصداقة » قال : « وهذا غلط ، يقال للأصدقاء والأنسباء إخوة وإخوان ، قال تعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » لم يعن النسب ، وقال تعالى : أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ « 4 » وهذا في النسب » قلت : ردّ أبي حاتم يتّجه على هذا النقل المطلق ، ولا يرد على النقل الأول لأنهم قيّدوه بالأغلب في الاستعمال . قوله : عَلى شَفا الشيء : طرفه وحرفه ، وهو مقصور من ذوات الواو ، يثنّى بالواو نحو : شفوين ، ويكتب بالألف ، ويجمع على أشفاء ، ويستعمل مضافا إلى أعلى الشيء وإلى أسفله ، فمن الأول : شَفا جُرُفٍ « 5 » ومن الثاني هذه الآية ، وأشفى على كذا أي : قاربه ، ومنه أشفى المريض على الموت ، قال يعقوب : « يقال للرجل عند موته ، وللقمر عند محاقه ، وللشمس عند غروبها : « ما بقي منه - أو منها - إلا شفا » أي : إلا قليل » . وقال بعضهم : يقال لما بين الليل والنهار عند غروب الشمس إذا غاب بعضها : شفا ، وأنشد : 1381 - أدركته بلا شفا أو بشفا * والشمس قد كادت تكون دنفا « 6 » وقال الراغب : « والشفاء من المرض موافاة شفا السلامة ، وصار اسما للبرء ، والشّفا مذكّر » . وأمّا عود الضمير في « منها » ففيه أوجه : أحدها : أنه عائد على « حُفْرَةٍ » . والثاني : أنه عائد على « النَّارِ » قال الطبري : « إنّ بعض الناس يعيده على الشّفا ، وأنّث من حيث كان الشّفا مضافا إلى مؤنث ، كما قال جرير : 1382 - أرى مرّ السّنين أخذن منّي * كما أخذ السّرار من الهلال « 7 » قال ابن عطية : « وليس الأمر كما ذكروا ، لأنه لا يحتاج في الآية إلى مثل هذه الصناعة ، إلا لو لم نجد للضمير معادا إلا الشفا ، أما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه ويعضده المعنى المتكلّم فيه فلا يحتاج إلى تلك الصناعة » قال الشيخ « 8 » : « وأقول : لا يحسن عوده إلّا على الشّفا ؛ لأنّ كينونتهم على الشّفا هو أحد جزأي الإسناد ، فالضمير لا يعود إلا
--> جمل الزجاجي ص ( 5 ) ، البحر المحيط ( 6 / 133 ) . ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 19 . ( 2 ) انظر الكتاب 2 / 203 . ( 3 ) سورة الحجرات ( 10 ) . ( 4 ) سورة النور ، آية ( 61 ) . ( 5 ) سورة التوبة ، آية ( 109 ) . ( 6 ) البيت للعجاج انظر ديوانه 2 / 227 ، الخصائص 2 / 119 ، اللسان ( دنف ) . ( 7 ) انظر البيت في ديوانه ( 426 ) ، الدرر 1 / 20 ، الهمع 1 / 47 ، ( 8 ) انظر البحر المحيط 3 / 19 .